اتجوزته وهو فاقد الذاكرة، ميعرفش أهله ولا أصله ولا حتى اسمه. لقيته قدام باب بيتنا في ليلة شتا قاسية، غرقان في دمه بعد حادثة مروعة.
أهلي رفضوا يدخلوه، بس أنا قلبي طاوعني، عالجته ووقفت جنبه، ولما صحي ولقى نفسه ناسي كل حاجة، والشرطة ملقيتش له أهل، أهلي ضغطوا عليا نتجوز عشان يستروني لأني كنت كبرت في السن وفرصي قليلة.
رضيت، وقولت يمكن ده نصيبي اللي ربنا بعتهولي. عاش معايا سنتين، كان فيهم أحن زوج، كان بيقولي أنا ماليش غيرك في الدنيا دي، إنتي عيني اللي بشوف بيها وماضيّ اللي ضاع.
تعبت وشقيت في الشغل عشان أصرف على علاجه وجلسات الكهرباء والمخ والأعصاب، كنت بشتغل ورديتين عشان أوفر له ثمن الأدوية الغالية.
وفعلاً، بعد سنتين من التعب والصبر، حصلت المعجزة. خبطة بسيطة في راسه وهو بيصلح حاجة في البيت، رجعت له كل شريط حياته في ثانية واحدة.
لحظة الصمت اللي كانت بيننا أول ما فتح عينه وبص لي بوعي كامل، كانت بتقتلني. مكنتش نظرة سليم اللي أعرفه، كانت نظرة شخص غريب، بارد، ونظراته فيها كبرياء غريب عليا.
بص للمكان بتأفف، وبص لهدومي البسيطة، وقال بصوت حاد عمري ما سمعته منه
أنا إيه اللي جابني الزريبة دي؟ وإنتي مين بالظبط؟
الكلمة نزلت عليا كأنها
طلقة. قولتله بصوت مرعوش أنا سمر.. مراتك.. اللي وقفت جنبك سنتين يا سليم.
ضحك بسخرية وهو بيقوم يظبط لبسه اللي كان جايبه بفلوس شقايا، وقال مراتي؟ إنتي صدقتي اللعبة دي؟ أنا سليم المنشاوي، صاحب شركات المعمار.. مستحيل أكون اتجوزت واحدة بالمنظر ده وبالمستوى ده برغبتي. أنتوا استغليتوا عجز فكري وضحكتوا عليا.
بدأ يتعامل معايا كأني خادمة سرقت وقته، بقى يرفض ياكل من إيدي، وبقى يتصل بناس شبهه عشان ييجوا ياخدوه، وكأني كنت مجرد فترة نقاهة رخيصة في حياته.
بقلمى_نور_محمد
بعد يومين، لقيته لابس بدلة شيك جداً بعتوها له أصحابه، وقال لي بجمود جهزي نفسك، هوديكي لأهلك عشان ننهي المهزلة دي.
فرحت، قولت يمكن لما يشوف أهلي ويفتكر كرمهم معاه يحس بالذنب. ركبنا العربية الفخمة اللي جت له، وطول الطريق كان بيغسل إيده ب كحول كل ما ألمس طرف كمّه بالصدطفة.
وصلنا بيت أهلي، والكل خرج يرحب ب سليم بيه اللي رجع له أصله وعزه. قعد وسطهم بمنتهى التعالي، وبدل ما يشكر أبويا على إنه آواه، بص له وقال بمنتهى الاحتقار
أنا جيت النهاردة عشان أصفي الحساب.. بنتكم استغلت إني مش في وعيي وربطتني بيها. أنا مش هرميها في الشارع، أنا باعت لكم شيك بمبلغ محترم، تمن السنتين اللي
قضيتهم هنا.. اعتبروه أجرة ممرضة أو تمن استضافة.
أبويا انصدم وقال له يا ابني دي صانتك وشالتك في عينيها، الفلوس متساويش ضفرها.
رد سليم وهو بيقوم يلبس نضارته الشمسية بكل غرور ضفرها؟ دي واحدة استغلالية، لقت صيد سمين قالت أتمسك فيه، بس الحقيقة إنها كانت مجرد غلطة في وقت ضعف، وأنا مسحت الغلطة دي من حياتي فوراً. بنتكم طالق، وخلي الشيك ينفعها تدور بيه على حد من مستواها يرضى بيها.
ساب الشيك على التربيزة وخرج، ورزع الباب وراه، وساب قلبي مكسور مية حتة وسط ذهول أهلي اللي كانوا فاكرين إنهم اشتروا راجل، وطلعوا استضافوا تعبان.
سمر وقفت مكانها، الشيك واقع على الأرض قدامها كأنه إهانة مش فلوس.
أبوها بص لها وهو مش قادر يصدق اللي حصل، وقال بصوت مكسور خدي حقك يا بنتي ده أقل حاجة يعوضك عن السنين دي.
بس سمر ما اتحركتش. عينيها كانت ثابتة على الباب اللي خرج منه سليم، وكأنها لسه مستنية منه يرجع تاني ويقول إن ده كله سوء فهم إن ده سليم اللي كان بيخاف عليها من الهوا.
همست بصوت واطي أنا مش محتاجة فلوسه أنا كنت محتاجاه هو.
أمها قربت منها وحضنتها، لكن سمر فجأة بعدت وقالت ببرود غريب الشيك ده يرجع له.
أخوها اتفاجئ إنتي مجنونة؟ ده مبلغ كبير!
ردت وهي
بتلم الورقة من على الأرض وتحطها على التربيزة قدامهم اللي اشترى ضمير، يبيعه للي زيه أنا مش للبيع.
وفي نفس الوقت عند سليم.
كان في عربيته، بيبص من الشباك على المدينة اللي حس إنها غريبة عليه رغم إنه رجع ملكها. موبايله رن، رقم مدير أعماله.
صوت الرجل كان متوتر سليم بيه في حاجة لازم تعرفها عن الفترة اللي حضرتك كنت مختفي فيها.
سليم ببرود ما يهمنيش. كله اتحل.
بس الصوت اللي جاي من الطرف التاني خلى إيده تتجمد على التليفون في تقرير مستشفى بيقول إن حالتك وقت الحادثة ما كانتش فقدان ذاكرة طبيعي كان فيه تدخل طبي متعمد.
سليم اعتدل فجأة إنت بتقول إيه؟
الراجل كمل وفي حد كان بيدفع مصاريف علاجك كله باسم مجهول ولسنين قبل ما تقابل الست اللي بتقول إنها مراتك.
سليم سكت.
ولأول مرة من يوم ما فاق ملامحه اتلخبطت.
مين اللي كان بيدفع؟ قالها وهو صوته أقل غرور من الأول.
الرد جه ببطء مفيش اسم واضح بس في تحويلات جاية من شركة تابعة لعيلة حضرتك عيلتك نفسها.
الصمت وقع في العربية.
وفي نفس اللحظة سليم بص في مراية العربية كأنه لأول مرة بيشوف نفسه بجد، وبدأ يسأل السؤال اللي عمره ما فكر فيه لو هم كانوا عارفين مكاني ليه سابوني في الشارع؟
أما سمر كانت قاعدة في
أوضتها، ماسكة صورة قديمة ليه وهو نايم تعبان
أول يوم جابته.
وبصوت شبه الهمس قالت أنا مش هكمل كسرتي لوحدي لو الحقيقة هتطلع تطلع كلها.
وفي اللحظة دي تليفونها رن.
رقم غريب.
ردت.
وصوت رجولي غامض قال لو إنتي فعلاً سمر يبقى لازم تعرفي إن سليم ما رجعش لحياته هو اتسحب منها.
وسكت لحظة
والحادثة اللي عملتِه فاكرة إنها خلصت لسه ما بدأتش سمر بصّت للمكالمة الغريبة لثواني طويلة قلبها كان بيخبط، بس قررت ما تتهزش.
قفلت المكالمة من غير ما ترد.
وقالت لنفسها كفاية لحد كده أنا مش هبقى لعبة في قصة أنا مش فاهمة أصلها.
في نفس الوقت، عند سليم
كان واقف قدام مقر شركته لأول مرة من سنتين، المبنى العالي اللي المفروض يكون بيته الحقيقي.
بس أول ما دخل الكل وقف.
السكرتيرة اتلخبطت وقالت سليم بيه حضرتك رجعت؟
هو بص حواليه بحدة أنا عايز كل ملفات السنتين اللي فاتوا وكل حاجة حصلت وأنا مش موجود.
في غرفة الاجتماعات
اتفتح ملف كبير قدامه.
تقارير، توقيعات، عقود، وتحويلات مالية ضخمة باسم سليم المنشاوي وهو غائب.
سليم بص للورق وقال بذهول لأول مرة مين كان بيوقع باسمي؟
مدير الحسابات اتوتر كل العمليات كانت قانونية بس مفيش أي تواصل مباشر منك طول الفترة دي وكأن حد كان ماسك الشركة بدل حضرتك.
سليم قام فجأة يعني الشركة كانت شغالة من غيري؟
الرد كان أخطر مش بس
شغالة دي كانت بتتوسع بشكل أسرع من الطبيعي.
سكت لحظة
بس في حاجة أغرب في اسم بيتكرر في كل الملفات مشروع اسمه البيت الآمن. وكل التحويلات اللي كانت مرتبطة بحضرتك كانت داخلة في المشروع ده.
سليم عقد حاجبيه البيت الآمن؟
في بيت سمر
كانت قاعدة مع أبوها وأمها، والشيك لسه على الترابيزة زي ما هو.
أبوها قال بهدوء الراجل ده واضح إنه مش طبيعي في حاجة مش مفهومة في حياته كلها.
سمر ردت بثبات أنا مش عايزة أعرف عنه حاجة تاني اللي بيني وبينه انتهى.
لكن فجأة
باب البيت خبط خبطتين قويين.
الأم فتحت.
شاب لابس بدلة رسمية، ومعاه ملف.
قال أنا محامي تابع لشركة المنشاوي وجاي بطلب رسمي من سليم بيه.
سمر وقفت فوراً.
المحامي كمل حضرتك مدعوة لحضور اجتماع مهم بخصوص مشروع كان اسمك جزء أساسي منه خلال السنتين اللي فاتوا.
سمر اتجمدت اسمي؟ أنا ماليش أي علاقة بشغله.
المحامي فتح الملف وقال جملة خلت المكان كله يسكت
حسب المستندات مشروع البيت الآمن كان بيتدار باسمك إنتِ شخصياً مش باسم سليم.
سمر بصّت للورق إيديها بدأت ترتعش لأول مرة.
همست أنا؟!
وفي نفس اللحظة
سليم في شركته كان بيبص لنفس الاسم على شاشة الكمبيوتر.
سمر أحمد المدير التنفيذي الفعلي للمشروع.
رفع عينه ببطء وقال يبقى أنا طول الوقت كنت فاكر إني المالك
وطلعت أنا اللي متدار؟سمر وقفت قدام الورق وهي مش قادرة تستوعب.
إيديها كانت بتترعش وهي بتقرا سطر ورا سطر توقيعها موجود، اسمها موجود، وحتى صلاحيات مالية ضخمة متسجلة باسمها.
أبوها بص للمحامي وقال بعصبية إزاي ده يحصل؟ بنتي عمرها ما اشتغلت في شركات ولا دخلت عالم ده!
المحامي رد بهدوء حسب المستندات، كل ده تم بعقد توكيل رسمي موثق قبل سنتين في يوم وصول سليم بيه الأول.
سمر رفعت راسها فجأة أنا ما وقّعتش حاجة!
سكتت لحظة كأن ذكريات بعيدة بدأت تتحرك جوا دماغها.
ليلة الشتا دم راجل مرمي على الأرض ورق كتير وإضاءة مستشفى.
همست أنا أنا إمتى عملت ده؟
في نفس الوقت، في شركة المنشاوي
سليم كان واقف قدام شاشة كبيرة، وبيشوف كل العمليات اللي اتعملت باسمه.
لكن حاجة واحدة كانت مكررة في كل ملف Approval S. Ahmed
قال بغضب مكتوم مين اللي سمح بده؟
رد مدير الأمن في تسجيلات قديمة من كاميرا المستشفى بس الجودة ضعيفة.
فتحوا الفيديو.