كنت ببعت لامى 50الف جنيه فى الشهر

أنا عمري ما كنت ببخل على بيتي، ولا على أمي، ولا على مراتي بالعكس، كنت فاكر نفسي بعمل الصح لما قررت أخلّي أمي تيجي تقعد معانا فترة بعد ولادة هناء، تساعدها وتخدمها وهي نفساء، خصوصًا إن شغلي بياخد كل وقتي ومش هعرف أكون موجود جنبها طول اليوم. ومن ساعتها وأنا ملتزم أبعت لأمي كل شهر 50 ألف جنيه، رقم كبير، بس كنت شايف إنه يستاهل راحة مراتي وصحتها.
في الأول، كل حاجة كانت باينة طبيعية. أمي بتكلمني في التليفون تقوللي مراتك زي الفل، أنا مش مخلياها تعمل حاجة، وهناء كانت لما أكلمها تقوللي الحمد لله يا أحمد، ربنا يخليك لينا. صوتها كان هادي يمكن زيادة عن اللزوم، بس أنا فسرت ده إنها تعبانة من الولادة.
بس مع الوقت، بدأت آخد بالي من حاجات غريبة. هناء بقت ساكتة أكتر، ضحكتها اختفت، حتى لما أرجع البيت ألاقيها بتتهرب من الكلام، تقوللي مرهقة وتدخل تنام. جسمها كمان بدأ يخس بشكل ملحوظ قلت يمكن ده طبيعي بعد الولادة، بس جوايا كان فيه حاجة بتقولي إن في حاجة غلط.
لحد اليوم ده اليوم اللي غير كل حاجة.
رجعت بدري، زي ما حكيت، ودخلت المطبخ وشفت المشهد اللي عمري ما هنساه. مراتي قاعدة في ركن ضلمة، بتاكل بقايا أكل بقايا حرفيًا،

رز بايت وروس سمك وشوك، وبتبص حواليها بخوف كأنها سارقة.
الصدمة ساعتها كانت أكبر من إني أستوعب. مسكت الطبق من إيدها وأنا جسمي كله بيرتعش وسألتها إيه ده؟! ده أكل بني آدمين؟!
هناء ما ردتش بس دموعها نزلت أكتر. حاولت تتكلم، بس صوتها كان مخنوق أنا أنا كنت جعانة بس
جعانة؟! وإنتي عندك أكل في البيت؟! أنا بسيب فلوس تكفي عمارة مش شقة!
هنا بقى حصلت اللحظة اللي كشفت كل حاجة.
هناء بصت لي نظرة عمري ما شفتها في عيونها قبل كده نظرة خوف مكسور وقالت بصوت واطي الأكل ده ده اللي ماما بتسيبهولي.
اتجمدت.
ماما؟! أمي؟!
هزت راسها آه وهي بتعيط هي هي بتاكل الأول، ولو فضل حاجة تديني ولو ما فضلش أستنى لحد ما تنام وآكل أي حاجة من وراها
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. مخي رفض يستوعب. أمي؟ تعمل كده؟!
قلت بعصبية إنتي بتهبدي! أمي مش ممكن تعمل كده!
ساعتها هناء قامت بالعافية، وفتحت التلاجة بإيد مرتعشة التلاجة كانت شبه فاضية. شوية حاجات بايظة، وعلب فاضية.
هي بتقفل التلاجة بالمفتاح يا أحمد قالتها وهي بتطلع مفتاح صغير من جيبها، بس أنا سرقته مرة عشان آكل وكانت هتضربني لما عرفت.
تضربك؟!
آه وتهددني تقوللي لو قلتلك حاجة، هتخليك تطلقني وتاخد ابني
مني وأنا أنا مليش غيرك.
في اللحظة دي، حسيت بنار بتولع جوايا. مش نار غضب بس نار خيانة.
أنا اللي جبت أمي عشان تحمي مراتي طلعت هي اللي بتعذبها.
سمعنا صوت باب الشقة بيتفتح أمي رجعت.
بصيت لهناء وقلت لها بهدوء مخيف ولا كلمة.
خرجت استقبل أمي، وهي داخلة بشنط مليانة ريحة أكل طالعة منها.
أحمد؟! إيه ده؟ جيت بدري؟
ابتسمت لها ابتسامة صفراء آه قولت أفاجئكم.
حطت الشنط على السفرة، وبدأت تطلع أكل فراخ مشوية، لحمة، حلويات أكل يكفي عشرة.
بصيت للأكل وبعدين بصيت ناحيتها وقلت الأكل ده لمين؟
قالت بثقة لينا طبعًا.
لينا؟ ولا ليكي؟
اتلخبطت شوية يعني إيه؟!
قربت منها وبصيت في عينيها يعني مراتي بتاكل رز بايت وروس سمك وإنتي بتاكلي فراخ ولحمة؟
وشها اتغير في ثانية حاولت تمسك نفسها وقالت مين قالك الكلام الفارغ ده؟!
ناديّت هناء تعالي.
خرجت هناء وهي مرعوبة، واقفة ورايا كأنها مستخبية.
أمي بصت لها بنظرة كلها تهديد، بس أنا لاحظت.
اتكلمي يا هناء.
سكتت بس دموعها نزلت.
صرخت اتكلمي!
قالت بصوت متكسر كل حاجة المفتاح الأكل الضرب التهديد كل حاجة.
كل كلمة كانت زي خنجر في صدري.
بصيت لأمي مستني منها تنكر تبرر تعمل أي حاجة.
بس اللي حصل إنها
قالت بكل برود وأنا غلطانة في إيه؟! دي واحدة جاية من لا شيء وأنا اللي ربيت ابني وصرفته عليه طبيعي آخد حقي!
حقك؟! صرخت فيها، تاخدي حقك بتجوعي مراتي؟! بتكسريها؟!
قالت بحدة دي لازم تتربى! عشان ما تنساش أصلها!
ساعتها خدت القرار.
دخلت أوضتي، جبت شنطة، وحطيت فيها هدوم أمي. رجعت لها ورميت الشنطة قدامها.
تتفضلي تمشي.
بصت لي بصدمة إنت بتطرد أمك؟!
لا أنا بطرد الظلم من بيتي.
حاولت تعيط تمثل تضغط عليّ بس لأول مرة في حياتي، ما ضعفتش.
فتحت الباب وقلت اتفضلي.
خرجت وهي بتدعي عليّ.
قفلت الباب وسندت عليه وحسيت إني لأول مرة شايف الحقيقة.
رجعت لهناء لقيتها واقفة مكانها، خايفة.
قربت منها بهدوء وهي رجعت لورا.
وقتها بس فهمت قد إيه كانت مكسورة.
قلت لها بصوت هادي حقك عليا أنا اللي أذيتك من غير ما أقصد.
وقعت في حضني وفضلت تعيط عياط سنين مش شهور.
ومن يومها كل حاجة اتغيرت.
رجعت أتعلم أكون زوج بجد مش بس واحد بيدفع فلوس وخلاص.
والفلوس؟ بقيت بإيدي والأكل؟ على سفرتنا إحنا الاتنين.
بس الجرح اللي اتفتح يومها فضل علامة عمري ما هنساها علامة بتفكرني إن أقرب الناس ممكن يكونوا أخطرهم.
بعد اللي حصل، كنت فاكر إن الموضوع انتهى إن طرد
أمي من البيت هو آخر فصل في الحكاية، وإن خلاص الظلم اتشال وهنبدأ صفحة جديدة. بس الحقيقة؟ اللي حصل ده كان مجرد بداية لسلسلة أحداث عمري ما كنت أتخيلها.
الأيام الأولى بعد ما أمي مشيت كانت غريبة البيت هادي، زيادة عن اللزوم. مفيش صوت تعليقاتها، ولا خطواتها، ولا نظراتها التقيلة اللي كانت مالية المكان. هناء بدأت تتحسن شوية، بس الخوف كان لسه ساكن فيها كل مرة أرفع صوتي حتى لو بهزر، كانت بتترعش. كل مرة باب الشقة يخبط، تبص عليه برعب كأنها مستنية حد داخل يعاقبها.
بدأت ألاحظ حاجات تانية حاجات خلتني أحس إني كنت عايش أعمى.
مرة دخلت المطبخ لقيت هناء واقفة بتبص للأكل قبل ما تاكل، كأنها مش مصدقة إنه ليها. تمسك اللقمة وتقعد ثواني قبل ما تاكلها وكأنها بتستأذن حد مش موجود. المنظر ده كان بيوجعني أكتر من أي حاجة.
قررت أودّيها لدكتور نفسي. في الأول رفضت، وقالت أنا كويسة، بس أنا كنت شايف بعيني إنها مش كويسة خالص.
بعد جلسات قليلة، الدكتور طلب يقابلني لوحدي.
قالي بهدوء مراتك اتعرضت لضغط نفسي شديد
مش بس جوع، دي كانت حالة إذلال مستمر. التهديد، الحرمان، التحكم دي كلها حاجات بتكسر أي إنسان.
سألته وهتخف؟
بص لي وقال هتحتاج وقت ودعم حقيقي. والأهم أمان.
الكلمة دي فضلت ترن في دماغي أمان.
رجعت البيت وأنا مقرر أعمل أي حاجة عشان أعوضها بس كنت متأخر.
لأن في نفس الأسبوع حصل اللي ماكنتش مستعد له.
تليفوني رن رقم أمي.
بصيت للشاشة كتير متردد أرد ولا لأ. في الآخر رديت.
صوتها كان غريب مش نفس النبرة القوية اللي كانت بتتكلم بيها. كانت باينة مكسورة.
أحمد أنا تعبانة.
سكت قلبي اتشد ناحيتها رغم كل اللي حصل.
مالِك؟
قالت بصوت متقطع وقعت ومفيش حد معايا.
قفلت معايا وأنا واقف مش عارف أعمل إيه. دي أمي مهما عملت.
هناء كانت واقفة بتبص لي فهمت من وشي إن في حاجة.
قلت لها أمي تعبانة
سكتت شوية وبعدين قالت حاجة عمري ما كنت أتوقعها
روح لها.
بصيت لها بدهشة بعد كل اللي عملته فيكي؟!
قالت بهدوء موجوع هي أمك وأنا مش عايزة أبقى السبب إنك تندم بعدين.

الكلمة دي هزتني.
روحت لأمي.
لقيتها فعلاً واقعة على الأرض، شكلها تعبان ومفيش حد جنبها. شقتها كانت متبهدلة مفيش أكل، مفيش نظام كأنها فجأة بقت لوحدها بجد.
شلتها ووديتها المستشفى.
الدكتور قال إنها عندها هبوط حاد وسوء تغذية.
وقتها حسيت بحاجة غريبة جدًا.
نفس الحالة اللي كانت هناء فيها.
بصيت لأمي وهي نايمة على السرير وافتكرت كل لحظة جوع كانت بتمر على مراتي، كل مرة كانت بتستخبى تاكل، كل دمعة نزلت منها.
سألت نفسي
هو ده عدل ربنا؟ ولا مجرد صدفة؟
أمي فاقت بعد يومين.
أول ما شافتني عيطت.
سامحني يا ابني
دي أول مرة أسمعها تقولها.
كنت واقف ساكت مش عارف أصدق ولا لأ.
قالت وهي بتبكي أنا غلطت كنت فاكرة إني بحافظ عليك بخليك تفضل ليا لوحدي خفت تاخدك مني
كلامها كان غريب ومؤلم.
بس أنا نسيت إني بكده كنت بخسرك وخسرت نفسي.
سكتت شوية وبعدين قالت
مراتك بنت أصول رغم اللي عملته فيها، هي اللي قالتلك تروحلي صح؟
هزيت راسي.
غمضت عينيها وقالت
أنا ظلمتها ظلم كبير.
خرجت من عندها وأنا تايه بين غضبي القديم وكلامها ودموعها.
رجعت البيت.
هناء كانت مستنياني.
بصت لي وسألت عاملة إيه؟
قولتلها الحقيقة.
سكتت وبعدين قالت بهدوء
ربنا بيوري كل واحد نتيجة أفعاله.
قعدت جنبها لأول مرة من غير حواجز.
قلت لها إنتي أقوى مني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت أنا بس اتكسرت وبحاول أقف تاني.
الأيام عدت وأمي بدأت تتحسن.
بس المرة دي كل حاجة كانت مختلفة.
ما رجعتش تعيش معانا.
بس كانت بتيجي تزور على استحياء.
وفي أول زيارة ليها حصل موقف عمري ما هنساه.
أمي دخلت شايلة أكل بإيديها أكل بسيط.
وقفت قدام هناء ومدت لها الطبق بإيد بتترعش
سامحيني
هناء بصتلها وسكتت.
لحظة صمت طويلة تقيلة.
وبعدين خدت الطبق.
مش بس كده قالت لها
اقعدي كلي معانا.
في اللحظة دي حسيت إن في حاجة اتغيرت بجد.
مش كل الجروح بتتنسى بس ممكن تتهدى.
ومش كل اللي اتكسر بيرجع زي الأول بس ممكن يتصلح بشكل جديد.
ومن يومها اتعلمت درس عمري
ما هنساه
إن العدل مش بس إنك تمنع الظلم
العدل إنك تفضل صاحي عشان ما يتكررش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى